محمد الغزالي

171

فقه السيرة ( الغزالي )

هجرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم حين عزم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ترك مكة إلى المدينة ؛ ألقى الوحي الكريم في قلبه وعلى لسانه هذا الدعاء الجميل : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 ) [ الإسراء ] « 1 » . ولا نعرف بشرا أحقّ بنصر اللّه ، وأجدر بتأييده ، مثل هذا الرسول صلى اللّه عليه وسلم ؛ الذي لاقى في جنب اللّه ما لاقى ، ومع ذلك فإنّ استحقاق التأييد الأعلى لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه ، وتوفير وسائله . ومن ثمّ فإنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحكم خطّة هجرته ، وأعدّ لكلّ فرض عدته ، ولم يدع في حسبانه مكانا للحظوظ العمياء . وشأن المؤمن مع الأسباب المعتادة ؛ أن يقوم بها كأنّها كلّ شيء في النجاح ، ثم يتوكّل - بعد ذلك - على اللّه ؛ لأنّ كلّ شيء لا قيام له إلا باللّه . فإذا استفرغ المرء جهوده في أداء واجبه ، فأخفق بعد ذلك ، فإنّ اللّه لا يلومه على هزيمة بلي بها ، وقلّما يحدث ذلك ، إلا عن قدر قاهر يعذر المرء فيه ! ! . وكثيرا ما يرتّب الإنسان مقدّمات النصر ترتيبا حسنا ، ثم يجيء عون أعلى يجعل هذا النصر مضاعف الثمار . كالسفينة التي يشقّ عباب الماء بهاربّان ماهر ، فإذا التيار يساعدها ، والريح تهبّ إلى وجهتها ، فلا تمكث غير بعيد ، حتى تنتهي إلى غايتها في أقصر من وقتها المقرر .

--> ( 1 ) هو من حديث ابن عباس ، قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة ، ثم أمر بالهجرة وأنزل عليه . . . قلت : فذكر الآية . أخرجه الترمذي : 4 / 137 ؛ والحاكم : 3 / 3 ؛ والبيهقي : 9 / 9 ؛ وأحمد ، رقم ( 1948 ) ، من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه ، وليس في المسند والبيهقي ( عن أبيه ) عن ابن عباس ، وقال الترمذي : « حديث حسن صحيح » . وقال الحاكم : « صحيح الإسناد » ووافقه الذهبي . وفيه نظر ؛ فإن قابوس بن أبي ظبيان أورده الذهبي في الميزان ، ونقل عن ابن حبان أنه قال فيه : « رديء الحفظ ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له ، فربما رفع المرسل ، وأسند الموقوف ، ولذلك قال الحافظ في ( التقريب ) : فيه لين » .